أبو علي سينا
87
الشفاء ( المنطق )
لأكبره سبب يصله بأصغره ، كان حين لم يعلم من السبب الذي به يجب ، بل أخذ من جهة « 1 » هو بها لا يجب بل يمكن . فإن كل ذي سبب فإنما يجب بسببه . وأما هاهنا فكان بدل السبب الذات ، وكان الأكبر للأصغر لذاته ولكن كان خفيا ، وكان الأوسط أيضا له لذاته لا بسبب « 2 » ، حتى إن جهل جهل . ولكنه لم يكن خفيا . فقد علمت المقدمة الصغرى بوجوبها ، والكبرى أيضا كذلك : إذ لم يكن الأكبر للموصوفات بالأوسط إلا لذاتها ، لا لسبب يجهل حكمه لجهله « 3 » : والذي يبقى هاهنا شيء واحد : وهو أن لقائل أن يقول كيف تكون الذات الواحدة تقتضي لذاتها « 4 » شيئين : مثلا ج الأصغر كيف يقتضي ب الأوسط ، ا الأكبر « 5 » اللهم إلا أن يقتضي أحدهما لذاته أولا « 6 » ، ويقتضي الثاني لا لذاته بل بتوسط ذلك الأول بينهما . فحينئذ يكون ب علة ا - لا بحسب البيان فقط ، بل وبحسب الوجود . فالجواب أن المنطقي من حيث هو منطقي يجب أن يأخذ أن هذا يمكن في مواد هذه صفتها ، ولا يمكن في مواد مخالفة لها . وأما هل لهذه المواد إمكان أم لا « 7 » ، وهل هذا الشك صحيح فيها أم « 8 » لا ، فليس هو بعلم منطقي ، بل البحث عن أمثال هذه للفلسفة « 9 » الأولى ، فإنه متعلق بالبحث عن أحوال الموجودات . وهناك « 10 » يتبين أنه يجوز أن يكون للذات الواحدة من الذوات التي ليست بغاية البساطة لواحق كثيرة تلحق معا ليس بعضها قبل بعض ، وأن في بعض الذوات البسيطة أحوالا تشبه هذا من جهة تركيب معنوي فيها ، إذ لا تكون بساطتها بساطة مطلقة . وأكثر الموجودات هذه صورتها . فقد تحصل من هذا أن برهان الإن قد يعطي في مواضع يقينا دائما ، وأما فيما له سبب فلا يعطي اليقين الدائم ، بل فيما لا سبب له . ومن هذه الجهة نقول إن الرياضي لا يقين له في كثير من الأمور المنسوبة إلى الهيئة « 11 » لأنه يأخذها من جهة ما وجدت بالرصد . كذلك صنيعه حين يستخرج مثلا أوج الشمس من جهة أن حركة الشمس غير مستوية في أجزاء فلك البروج سرعة وبطءا . فبطؤها للأوج وسرعتها للحضيض ، ولا يعطي العلة في شيء من هذا وإنما يعطيها الطبيعي . فإن قال قائل إنا إذا رأينا صنعة علمنا ضرورة أن لها صانعا ، ولم يمكن أن يزول عنها هذا التصديق - وهو استدلال من المعلول على العلة ، فالجواب أن هذا على وجهين : إما جزئي « 12 »
--> ( 1 ) س جهة ما . ( 2 ) س لسبب . ( 3 ) س بجهله . ( 4 ) س لذاته . ( 5 ) س كيف ب الأوسط والأكبر . ( 6 ) س ، ب وأولا . ( 7 ) س أو . ( 8 ) س أو . ( 9 ) في الفلسفة . ( 10 ) س وهاهنا . ( 11 ) هيئة الأفلاك أو علم الهيئة . ( 12 ) س أحدهما أن يكون جزئية .